محمد حسين الذهبي

261

التفسير والمفسرون

. . . وغير هذا كثير من الآثار الدالة على المنع من القول في التفسير بالرأي . وقد أجاب المجيزون عن هذه الآثار : بأن إحجام من أحجم من السلف عن التفسير بالرأي ، إنما كان منهم ورعا واحتياطا لأنفسهم ، مخافة ألا يبلغوا ما كلفوا به من إصابة الحق في القول ، وكانوا يرون أن التفسير شهادة على اللّه بأنه عنى باللفظ كذا وكذا ، فأمسكوا عنه خشية أن لا يوافقوا مراد اللّه عز وجل ، وكان منهم من يخشى أن يفسر القرآن برأيه فيجعل في التفسير إماما يبنى على مذهبه ويقتفى طريقه ، فربما جاء أحد المتأخرين وفسر القرآن برأيه فوقع في الخطأ ، ويقول : إمامي في التفسير بالرأي فلان من السلف . ويمكن أن يقال أيضا : إن إحجامهم كان مقيدا بما لم يعرفوا وجه الصواب فيه ، أما إذا عرفوا وجه الصواب فكانوا لا يتحرجون من إبداء ما يظهر لهم ولو بطريق الظن ، فهذا أبو بكر رضى اللّه عنه يقول - وقد سئل عن الكلالة - « أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن اللّه ، وإن كان غير ذلك فمنى ومن الشيطان : الكلالة كذا وكذا » . ويمكن أن يقال أيضا : إنما أحجم من أحجم ، لأنه كان لا يتعين للإجابة ، لوجود من يقوم عنه في تفسير القرآن وإجابة السائل ، وإلا لكانوا كاتمين للعلم ، وقد أمرهم اللّه ببيانه للناس . وهناك أجوبة أخرى غير ما تقدم . والكل يوضح لنا سر إحجام من أحجم من السلف عن القول في التفسير برأيهم ، ويبين أنه لم يكن عن اعتقاد منهم بعدم جواز التفسير بالرأي . وأما الفريق الثاني - فريق المجوزين - فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتي :